السيد نعمة الله الجزائري
525
نور البراهين
--> ( 1 ) أقول : وقع الاختلاف قديما وحديثا بين أهل السنة والامامية في مسألة تحريف ا لقرآن ، وقد ذهب جماعة من الفريقين إلى وقوع التحريف في القرآن المجيد ، وذهب جماعة أخرى منهما إلى عدم وقوع التحريف فيه ، واستدل كل من الفريقين على مدعاهم بالروايات والنصوص الواردة في كتبهم ، وذهب الأخباريون من الامامية إلى وقوع التحريف فيه ، لظواهر روايات واردة عن الأئمة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين . والمؤلف بما أنه من نفاة الاجتهاد وممن يؤيد طريقة الاخبارية اغتر بظواهر هذه الروايات ، وذهب إلى وقوع التحريف فيه ، وأضاف إلى تلك الظواهر وجوها عقلية . ولكن ذهب أكثر فطاحل الامامية وأعلامهم من الأخباريين والمتكلمين إلى عدم وقوع التحريف في القرآن المجيد . قال شيخ المحدثين الصدوق قدس سره في رسالته : اعتقادنا أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وآله هو ما بين الدفتين ، وهو ما في أيدي الناس ، ليس بأكثر من ذلك ، ثم استدل على ذلك بوجوه عديدة . وقال شيخ المتكلمين المفيد قدس سره في كتابه أوائل المقالات : وقد قال جماعة من أهل الإمامة : انه لم ينقص من كلمة ولا من آية ولا من سورة ، ولكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين عليه السلام من تأويله ، وتفسير معانيه على حقيقة تنزيله ، وذلك كان ثابتا منزلا وان لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز ، وعندي أن هذا ا لقول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل ، واليه أميل ، والله أسأل توفيقه للصواب . وقال الشريف المرتضى قدس سره في بعض مسائله : ان العلم بصحة نقل القرآن كالعلم بالبلدان ، والحوادث الكبار ، والوقائع العظام ، والكتب المشهورة ، وأشعار العرب المسطورة ، فان العناية اشتدت والدواعي توفرت على نقله وحراسته ، وبلغت إلى حد لم يبلغه فيما ذكرناه . وقال أيضا : ان القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الان . وقال أيضا : من خالف في ذلك من الامامية والحشوية لا يعتد بخلافهم ، فان الخلاف في ذلك مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث ، نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا بصحتها ، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته . وقال شيخ الطائفة الطوسي قدس سره في تفسيره : والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه وفنون أغراضه . وأما الكلام في زيادته ونقصانه ، فمما لا يليق به أيضا ، لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، والنقصان منه فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الذي نصره المرتضى رحمه الله تعالى ، وهو الظاهر من الروايات . غير أنه رويت روايات كثيرة من جهة الخاصة والعامة بنقصان كثير من أي القرآن ، ونقل شئ منه من موضع إلى موضع ، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا ، والأولى الاعراض عنها وترك التشاغل بها ، لأنه لا يمكن تأويلها ، ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين ، فان ذلك معلوم صحته لا يعترضه أحد من الأمة ولا يدفعه . فهذه كلمات هؤلاء الفطاحل من علماء الشيعة التي تدور مدارهم نقل المذهب الصحيح من الفقه والحديث والأصول والكلام والتفسير وغيرها ، وقد كتب بعض معاصرينا كتبا مستقلة في مسألة عدم وقوع التحريف في القرآن المجيد ، فراجع إليها .